منتدى فــرســــان الـسـنـة
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته عزيزي الزائر :
اتمنى ان تقضي اوقاتا ممتعة معنا ولا تنسى التسجيل في المنتدى لكي نستفيد منك وتستفيد منا

منتدى فــرســــان الـسـنـة

منتدى ثقافي وفكري
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ترجمة الإمام فخر الدين الرازي من طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي رحمهم الله تعالى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سيف الدين ذو الفقار
Admin


عدد المساهمات : 49
تاريخ التسجيل : 25/04/2016
العمر : 37
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: ترجمة الإمام فخر الدين الرازي من طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي رحمهم الله تعالى   السبت مايو 14, 2016 1:36 am



والسادس الفخر الإمام الرازي *** والرافعي مثله يوازي (من قصيدة السيوطي في أسماء المجددين)



قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في طبقات الشافعية الكبرى ما نصه:



محمَّد بن عُمَر بن الحسن بن الحسين التَّيميّ البَكريّ، الإمام فخر الدين الرازي، ابن خطيب الري إمام المتكلمين ذو الباع الواسع في تعليق العلوم، والاجتماع بالشاسع من حقائق المنطوق والمفهوم، والارتفاع قدراً على الرفاق وهل يجري من الأقدار إلا الأمر المحتوم.



بحر ليس للبحر ما عنده من الجواهر، وحَبْرٌ سما على السماء وأين للسماء مثل ما له من الزواهر، وروضة عِلمٍ تستقل الرياض نفسها أن تحاكي ما لديه من الأزاهر.



انتظمت بقدره العظيم عقود الملة الإسلامية، وابتسمت بدره النظيم ثغور الثغور المحمدية، تنوع في المباحث وفنونها وترفع فلم يرض إلا بنكت تسحر ببيونها، وأتى بجنات طلعها هضيم، وكلمات يقسم الدهر أن الملحد بعدها لا يقدر أن يضيم.



وله شعار أوى الأشعري من سننه إلى ركن شديد، واعتزل المعتزلي علما أنه ما يلفط من قول إلا لديه رقيب عتيد.



وخاض من العلوم في بحار عميقة، وراض النفس في دفع أهل البدع وسلوك الطريقة.



أما الكلام فكل ساكت خلفه، وكيف لا وهو الإمام رد على طوائف المبتدعة وهدَّ قواعدهم، حين رفض النفس للرفض، وشاع دمار الشيعة، وجاء إلى المعتزلة فاغتال الغيلانية، وأوصل الواصلية النقمات الواصبية، وجعل العمرية أعبداً لطلحة والزبير، وقالت الهذلية لا تنتهي قدرة الله على خير وصبر، وأيقنت النظامية بأنه أذاق بعضهم بأس بعض وفرق شملهم وصيرهم قطعاً، وعبست البشرية لما جعل معتزلهم سبعا وهشم الهشامية والبهشمية بالحجة الموضحة، وقصم الكعبية فصارت تحت الأرجل مجرحة، وعلمت الجبائية مذ قطعها أن الإسلام يجب ما قبله، وانهزم جيش الأحيدية فما عاد منهم إلا من عاد إلى القبلة، وعرج على الخوارج فدخلوا تحت الطاعة، وعلمت الأزارقة منهم أن فتكات أبيضه المحمدية، ونار أسمره الأحمدية، لا قبل لهم بها ولا استطاعة، وقالت الميمونية: اليمن من الله والشر، وخنست الأخنسية وما فيهم إلا من تحيز إلى فئة وفر.



والتفت إلى الروافض فقالت الزيدية: ضرب عمرو وخالد وبكر زيداً، وقالت الإمامية هذا الإمام ومن حاد عنه فقد جاء شيئا إداً.



وأيقنت السليمانية أن جنها حبس في القناني، وقالت الأزلية هذا الذي قدر الله في الأزل أن يكون فرداً وعوذه بالسبع المثاني.



وقال المنتظرون: هذا الإمام وهذا اليوم الموعود، وجعلت الكيسانية في ظلال كيسه وسجل عليهم بالطاعة في يوم مشهود.



ونظر إلى الجبرية شزراً، فمشى كل منهم على كره الهوينا كأنه جاء جبراً.



وعلمت النجارية أن صنعها لا يقابل هذا العظيم النجار، ونادت الضرارية لا ضرر في الإسلام ولا ضرار.



وتطلع على القدرية فعبس كل منهم وبسر، ثم أقبل واستصغر، وكان من الذباب أقل وأحقر، فقتل كيف قدر.



وانعطف إلى المرجئة وما أرجأهم، وجعل العدمية منه خالدية في الهون وساءهم بنارهم.



ودعا الحلولية فحل عليهم ما هو أشد من المنية، وأصبحت الباطنية تأخذ أقواله ولا تتعدى مذهب الظاهرية.



وأما الحشوية قبح الله صنعهم وفضح على رؤوس الأشهاد جمعهم، فشربوا كأساً قطع أمعاءهم، وهربوا فراراً إلى خسي الأماكن حتى عدم الناس محشاهم، وصار القائل بالجهة في أخس الجهات، وعرض عليه كل جسم وهو يضرب بسيف الله الأشعري ويقول: هل من مزيد هات، حتى نادوا بالثبور وزال عن الناس افتراؤهم ومكرهم ومكر أولئك هو يبور.



وأما النصارى واليهود فأصبحوا جميعا وقلوبهم شتى ونفوسهم حيارى، ورأيت الفريقين سكارى وما هم بسكارى، وما من نصراني رآه إلا وقال: أيها الفرد لا نقول بالتثليث بين يديك، ولا يهودي إلا سلم وقال: إنا هدنا إليك.



هذا ما يتعلق بعقائد العقائد وفرائد القلائد.



وأما علوم الحكماء فلقد تدرع بجلبابها وتلفع بأثوابها، وتسرع في طلبها حتى دخل من كل أبوابها، وأقسم الفيلسوف إنه لذو قدر عظيم، وقال المنصف في كلامه: هذا من لدن حكيم، وآلى ابن سينا بالطور إليه من أن قدره دون هذا المقدار، وعلم أن كلامه المنثور وكتابه المنظوم يكاد سنا برقهما يذهب بالأبصار، وفهم صاحب أقليدس أنه اجتهد، في الكواكب وأطلعها سوافر وجد، حتى أبرزها في ظلام الضلال غرر نهار لا يتمسك بعصم الكوافر.



وأما الشرعيات تفسيراً وفقهاً وأصولاً وغيرها فكان بحراً لا يجارى، وبدراً إلا أن هداه يشرق نهاراً.



هذا هو العَلَم، كيف يليق أن يتغافل المؤمن عن هذا وهذا هو دوا الذهن، الذي كان أسرع إلى كل دقيق نفاذاً، وهذا هو الحجة الثابتة على قاضي العقل والشرع، وهذه هي الحجة التي يثبت فيها الأصل ويتفرع الفرع.



ما القاضي عنده إلا خصم، هذا الجلل إن ماثله إلا ممن تلبس بما لم يعط ولم يقف عند حد له ولا رسم.



وما البصري إلا فاقد بصره، وإن رام لحاق نظره فقد فقد نظر العين.



ولا أبو المعالي إلا ممن يقال له: هذا الإمام المطلق إن كنت إمام الحرمين.



ولقد أجاد ابن عنين حيث يقول فيه: ماتت به بدع تمادى عمرها دهراً، وكاد ظلامها لا ينجلي، وعلا به الإسلام أرفع هضبة ورسا سواه في الحضيض الأسفل.



غلط امرؤ بأبي علي قاسه، هيهات قصر عن هداه أبو علي، لو أن رسطاليس يسمع لفظة من لفظه لعرته هزة أفكل، ولحار بطليموس لو لاقاه من برهانه في كل شكل مشكل، ولو أنهم جمعوا لديه تيقنوا أن الفضيلة لم تكن للأول.



ولد الإمام سنة ثلاث وأربعين وقيل أربع وأربعين وخمسمائة.



واشتغل على والده الشيخ ضياء الدين عمر، وكان من تلامذة محيى السنة أبي محمد البغوي.



وقرأ الحكمة على المجد الجيلي بمراغة، وتفقه على الكمال السمناني، ويقال إنه حفظ الشامل في علم الكلام لإمام الحرمين.



وكان أول أمره فقيراً، ثم فتحت عليه الأرزاق وانتشر اسمه وبعد صيته، وقصد من أقطار الأرض لطلب العلم.



وكانت له يد طولى في الوعظ بلسان العربي والفارسي، ويلحقه فيه حال، وكان من أهل الدين والتصوف وله يد فيه، وتفسيره ينبىء عن ذلك.



وعبر إلى خوارزم بعد ما مهر في العلوم، فجرى بينه وبين المعتزلة مناظرات أدت إلى خروجه منها.



ثم قصد ما وراء النهر فجرى له أشياء نحو ما جرى بخوارزم فعاد إلى الري.



ثم اتصل بالسلطان شهاب الدين الغوري وحظي عنده.



ثم بالسلطان الكبير علاء الدين خوارزمشاه محمد بن تكش، ونال عنده أسنى المراتب واستقر عنده بخراسان.



واشتهرت مصنفاته في الآفاق وأقبل الناس على الاشتغال بها، ورفضوا كتب المتقدمين.



وأقام بهراة وكان يلقب بها شيخ الإسلام، وكان كثير الإزراء بالكرامية، فقيل: إنهم وضعوا عليه من سقاه سما فمات.



وكان خوارزمشاه يأتي إليه، وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة نفس من الفقهاء وغيرهم.



وكان شديد الحرص جداً في العلوم وأصحابه أكثر الخلق تعظيماً له وتأدباً معه، له عندهم المهابة الوافرة.



ومن تصانيفه: التفسير، والمطالب العالية، ونهاية العقول، والأربعين، والمحصَّل، والبيان، والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان، والمباحث العمادية، والمحصول، وعيون المسائل، وإرشاد النظار، وأجوبة المسائل البخارية، والمعالم، وتحصيل الحق، والزبدة، وشرح الإشارات، وعيون الحكمة، وشرح الأسماء الحسنى، وقيل: شرح مفصل الزمخشري في النحو، ووجيز الغزالي في الفقه، وسقط الزند لأبي العلاء.



وله طريقة في الخلاف، و مصنَّف في مناقب الشافعي حسن، وغير ذلك.



وأما كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم فلم يصح أنه له، بل قيل: إنه مختلق عليه.



حكى الأديب شرف الدين محمد بن عنين أنه حضر درسه مرة وهو شاب وقد وقع ثلج كبير فسقطت بالقرب منه حمامة، وقد طردها بعض الجوارح، فلما وقعت رجع عنها الجارح فلم تقدر الحمامة على الطيران من الخوف والبرد، فلما قام الإمام من الدرس وقف عليها ورَقَّ لها وأخذها، قال ابن عنين فقلت في الحال:



يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا *** في كل مسغبة وثلج خاشف



العاصمين إذا النفوس تطايرت *** بين الصوارم والوشيج الراعف



من أنبأ الورقاء أن محلكم *** حرم وأنك ملجأ للخائف



وفدت إليك وقد تدانى حتفها *** فحبوتها ببقائها المستأنف



لو أنها تحبى بمال لانثنت *** من راحتيك بنائل متضاعف



جاءت سليمان الزمان بشكوها *** والموت يلمع من جناحي خاطف



قدم لواه الفوت حتى ظله *** بإزائه يجري بقلب واجف



واعلم أن شيخنا الذهبي ذكر الإمام في كتاب الميزان في الضعفاء، وكتبت أنا على كتابه حاشية مضمونها أنه ليس لذكره في هذا المكان معنى ولا يجوز من وجوه عدة، أعلاها أنه ثقة حبر من أحبار الأمة، وأدناها أنه لا رواية له فذكره في كتب الرواة مجرد فضول وتعصب وتحامل تقشعر منه الجلود!



وقال في الميزان: له كتاب أسرار النجوم سحر صريح.



قلتُ: وقد عرفناك أن هذا الكتاب مختلَقٌ عليه، وبتقدير صحة نسبته إليه ليس بسحر، فليتأمله من يحسن السحر!!



ويكفيك شاهداً على تعصب شيخنا عليه ذكره إياه في حرف الفاء حيث قال: (الفخر الرازي)، ولا يخفى أنه لا يعرف بهذا ولا هو اسمه، أما اسمه فمحمد، وأما ما اشتهر به فابن الخطيب والإمام.



فإذا نظرت أيها الطارح رداء العصبية عن كتفيه الجانح إلى جعل الحق بمرأى عينيه إلى رجل عمد إلى إمام من أئمة المسلمين وأدخله في جماعة ليس هو منهم، أعني رواة الحديث فإن الإمام لا رواية له ودعاه باسم لا يعرف به، ثم نظرت إلى قوله في آخر الميزان إنه لم يتعمد في كتابه هوى نفس وأحسنت بالرجل الظن وأبعدته عن الكذب - أوقعته في التعصب وقلت: قد كرهه لأمور ظنها مقتضية الكراهة، ولو تأملها المسكين حق التأمل وأوتي رشده لأوجبت له حباً عظيماً في هذا الإمام، ولكنها الحاملة له على هذه العظيمة والمردية له في هذه المصيبة العميمة، نسأل الله الستر والسلامة.



وذُكِر أن الإمام وعظ يوماً بحضرة السلطان شهاب الدين الغوري وحصلت له حال فاستغاث: يا سلطان العالم لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي يبقى، وأن مردنا إلى الله.



وبلغ من أمر الحشوية أن كتبوا له رقاعاً فيها أنواع السيئات وصاروا يضعونها على منبره فإذا جاء قرأها، فقرأ يوماً رقعة، ثم استغاث: في هذه الرقعة أن ابني يفعل كذا فإن صح هذا فهو شاب أرجو له التوبة وأن امرأتي تفعل كذا فإن صح هذا فهي امرأة لا أمانة لها وأن غلامي يفعل كذا وجدير بالغلمان كل سوء إلا من حفظ الله، وليس في شيء من الرقاع ولله الحمد أن ابني يقول: إن الله جسم ولا يُشَبّه به خلقه، ولا أن زوجتي تعتقد ذلك ولا غلامي، فأي الفريقين أوضح سبيلاً !!؟



قال أبو عبد الله الحسن الواسطي: سمعت الإمام بهراة ينشد على المنبر عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد:



المرء ما دام حيا يستهان به ويعظم الرزء فيه حين يفتقد



أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذناً خاصاً، أخبرنا الكمال عمر بن إلياس بن يونس المراغي، أخبرنا التقي يوسف بن أبي بكر النسائي بمصر، أخبرنا الكمال محمود بن عمر الرازي قال:



سمعت الإمام فخر الدين يوصي بهذه الوصية لما احتضر لتلميذه إبراهيم بن أبي بكر الأصبهاني:



يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم مولاه محمد بن عمر بن الحسن الرازي وهو أول عهده بالآخرة وآخر عهده بالدنيا، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس ويتوجه إلى مولاه كل آبق:



أحمد الله بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات شهاداتهم وأحمده بالمحامد التي يستحقها عرفتها أو لم أعرفها لأنه لا مناسبة للتراب مع رب الأرباب وصلواته على ملائكته المقربين والأنبياء والمرسلين وجميع عباد الله الصالحين.



اعلموا أخلائي في الدين وإخواني في طلب اليقين: أن الناس يقولون إن الإنسان إذا مات انقطع عمله وتعلّقه عن الخلق، وهذا مخصص من وجهين:



الأول أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سبباً للدعاء والدعاء له عند الله تعالى أثر.



الثاني ما يتعلق بالأولاد وأداء الجنايات.



أما الأول فاعلموا أني كنت رجلاً محباً للعلم، فكنتُ أكتب من كل شيء شيئاً لأقف على كميته وكيفيته، سواء كان حقاً أو باطلاً، إلا أن الذي نطق به في الكتب المعتبرة أن العالم المخصوص تحت تدبير مدبره المنزه عن مماثلة التحيزات موصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.



ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية فلهذا أقول:



كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء كما في القدم والأزلية والتدبير والفعالية فذلك هو الذي أقولُ به وألقى الله به .



أما ما ينتهي الأمر فيه إلى الدقة والغموض وكل ما ورد في القرآن والصحاح المتعين للمعنى الواحد فهو كما قال، والذي لم يكن كذلك أقول:



يا إله العالمين إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فكل ما مده قلمي أو خطر ببالي فأستشهد وأقول: إن علمت مني أني أردت به تحقيق باطل أو إبطال حق فافعل بي ما أنا أهله، وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقديس اعتقدت أنه الحق وتصورت أنه الصدق فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي، فذاك جهد المقل وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في زلة فأغثني وارحمني واستر زلتي وامح حوبتي يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين ولا ينقص ملكه بخطأ المجرمين.



وأقول: ديني متابعة الرسول محمد وكتابي القرآن العظيم وتعويلي في طلب الدين عليهما.



اللهم يا سامع الأصوات ويا مجيب الدعوات ويا مقيل العثرات، أنا كنت حسن الظن بك عظيم الرجاء في رحمتك وأنت قلت أنا عند ظن عبدي بي وأنت قلت أمن يجيب المضطر إذا دعاه، فهب أني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم فلا تخيب رجائي ولا ترد دعائي، واجعلني آمناً من عذابك قبل الموت وبعد الموت وعند الموت، وسهِّل علي سكرات الموت، فإنك أرحم الراحمين.



وأما الكتب التي صنفتها واستكثرت فيها من إيراد السؤالات فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف القول السيء، فإني ما أردت إلا تكثير البحث وشحذ الخاطر والاعتماد في الكل على الله.



الثاني: وهو إصلاح أمر الأطفال فالاعتماد فيه على الله.



ثم إنه سرد وصيته في ذلك إلى أن قال:



وأمرت تلامذتي ومن لي عليه حق إذا أنا مت يبالغون في إخفاء موتي ويدفنوني على شرط الشرع، فإذا دفنوني قرأوا علي ما قدروا عليه من القرآن، ثم يقولون: يا كريم جاءك الفقير المحتاج فأحسن إليه.



هذا آخر الوصية.



وقال الإمام في تفسيره -وأظنه في سورة يوسف عليه السلام-:



والذي جربته من طول عمري أن الإنسان كلما عوَّلَ في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سبباً للبلاء والمحنة والشدة والرزية، وإذا عوَّلَ على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه، فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين، فعند هذا أسفر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله وإحسانه انتهى.



قلتُ: وما ذكره حق ومن حاسب نفسه وجد الأمر كذلك، وإن فرض أحد عول في أمر على غير الله وحصل له فاعلم أنه لا يخلو عن أحد رجلين: إما رجل ممكور به والعياذ بالله، وإما رجل يطلب شراً وهو يحسب أنه خير لنفسه ويظهر له ذلك بعاقبة ذلك الأمر، فما أسرع انقلابه في الدنيا قبل الآخرة إلى أسوأ الأحوال.



ومن شاء اعتبار ذلك فليحاسب نفسه.



واعلم أن هذه الجملة من كلام الإمام دالة على مراقبته طول وقته ومحاسبته لنفسه رضي الله عنه وقبح من يسبه أو يذكره بسوء حسداً وبغياً من عند نفسه.



توفي الإمام رحمه الله بهراة في يوم الاثنين يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة.



ومن الفوائد عنه:



1- إذا باع صاعاً من صبرة مجهولة الصيعان وجوزناه أو معلومة وقلنا إنه لا ينزل على الإشاعة، فالخيرة في الجانب الذي يوجد منه الصاع الذي وقع عليه العقد إلى البائع.



2- قال ابن الرفعة في المطلب في الجراح في الكلام على ما إذا كان رأس الشاج أكبر: وفي المنتخب المعزى لابن الخطيب أنها للمشتري، وقد نوقش فيه انتهى.



قلتُ: وقد أجاد في قوله: (المعزى لابن الخطيب)؛ لأن كثيراً من الناس ذكروا أنه لبعض تلامذة الإمام لا للإمام.



3- اختار الإمام في التفسير في سورة الإسراء أن الجمادات وغير المكلف من البهائم أنها تسبح الله بلسان الحال، ولا تسبح له بلسان المقال.



واحتج بما لم ينهض عندنا، وفصَّل قوم فقالوا: كل حي ونامٍ يسبح دون ما عداه، وعليه قول عكرمة الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح.



وقال يزيد الرقاشي للحسن -وهما يأكلان طعاما وقد قدم الخوان-: أيسبح هذا الخوان أبا سعيد ؟ فقال: قد كان يسبح ثمره، يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها ذات تسبيح وأما الآن فقد صار خواناً مدهوناً.



ويستدل لهذا بما ثبت من حديث ابن عباس أن النبي مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان...) وفيه أنه دعا بعسيب رطب وشقه باثنين وغرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)، فإن فيه إشارة إلى أنهما ما داما رطبين يسبحان وإذا يبسا صارا جماداً.



وذهب قوم إلى أن كل شيء من جماد وغيره يسبح بلسان المقال، وهذا هو الأرجح عندنا؛ لأنه لا استحالة فيه، ويدل له كثير من النقول: قال تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق)، وقال تعالى: (وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولداً).



وقال كما روى ابن ماجة: (لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة).



وفي صحيح البخاري أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل عند النبي.



وفي صحيح مسلم أن رسول الله قال: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث).



وخبر الجذع في هذا الباب مشهور.



وروى ابن المبارك في رقائقه: أن ابن مسعود قال: إن الجبل ليقول للجبل: هل مرَّ بك اليوم ذاكر لله ؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به.



إلى غير ذلك من أخبار وآيات تشهد لمن يحمل قوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) على عمومه.



غير أنا نقول: لا نسلم من تسبيحها بلسان المقال أنا نسمعها، وإنما يكون ذلك على سبيل المعجزة كما كانوا يسمعون تسبيح الطعام عند المصطفى، أو على وجه الكرامة.



4- ذهب الإمام إلى أنه إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، لا يقع الطلاق على واحدة منهما؛ لأن الطلاق تعيين فيستدعى محلاً معيناً.



5- حكى الإمام في المناقب أن الحسين الفراء مال إلى مذهب أبي حنيفة في مسح الرأس في الوضوء فأوجب الربع، وتعجب الإمام من البغوي في ذلك.



قلتُ: وهذا أخذه من كلامه في التهذيب فإن فيه بعد ما حكى مذهب الشافعي وأبي حنيفة (وجب أن لا يسقط الفرض عنه إذا مسح أقل من الناصية؛ لأن ظاهر القرآن يوجب التعميم والسنة خصته بقدر الناصية) انتهى.



وليس صريحاً في مذهب أبي حنيفة، بل في التقدير بقدر الناصية، أما تقدير الناصية بالربع فذاك قول الحنفية، فإنَّ صح أنه يوافقهم على تقديرها بالربع فقد صح نقل الإمام، وإلا فرأي البغوي خارج عن المذاهب الأربعة.



6- ومن شعر الإمام:



نهاية إقدام العقول عقال *** وأكثر سعي العالمين ضلال



وأرواحنا في غفلة من جسومنا *** وحاصل دنيانا أذى ووبال



ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا



وكم من جبال قد علت شرفاتها *** رجال فزالوا والجبال جبال



وكم قد رأينا من رجال ودولة *** فبادوا جميعا مزعجين وزالوا​
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ترجمة الإمام فخر الدين الرازي من طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي رحمهم الله تعالى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فــرســــان الـسـنـة :: تاريخ و تراجم-
انتقل الى: